محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
288
الآداب الشرعية والمنح المرعية
اعلم أن المسكن لا بد للإنسان منه في الجملة فيجب تحصيله لنفسه ولمن تلزمه نفقته ومثل هذا يعاقب على تركه ويثاب على فعله وموته عنه كبقية ماله المخلف عنه لورثته يثاب عليه ، قال عليه السّلام لسعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه : " إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " متفق عليه " 1 " . وأما الزيادة على ذلك فإن كانت يسيرة لا تعد في العادة والعرف إسرافا واعتداء ومجاوزة للحد فلا بأس بها لا تكره . وهل يثاب عليها ؟ يحتمل وجهين . والأحاديث محتملة ولعل ظاهرها مختلف والأصل عدم الإثابة ، وقد يحتج للإثابة قوله تعالى : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [ سورة سبأ : الآية 39 ] . أي في غير إسراف قاله بعض المفسرين من التابعين ولم يذكر سبحانه الجهة المتفق فيها وإخراج ما جاوز الحد وأسرف فيه لدليل يخصه لا يلزم منه إخراج ما دونه والأصل عدم دليل يخرج ذلك وقد قيل في الآية غير ذلك وظاهرها كما سبق ، في الكرم والبخل بعد فضول الكسب بعد قوله عليه السّلام : " أنفق ينفق عليك " ولأن هذا مما يشرح الصدر ويسر النفس وقد يحفظ الصحة وقد يحتاج إليه ومحذور الإسراف منتف فيستحب ذلك . وأما الإسراف والاعتداء في ذلك فظواهر الأخبار السابقة تدل على الكراهة وقد رواها أحمد وأبو داود ولم يخالفاها كما أن ظاهرها أنه لا يحرم لأن فاعل المحرم لا يقال عادة وغالبا لا أجر له ولا تخلف نفقته بل يقال : يعصي ويأثم ويعاقب فيذكر المعنى المختص بعمله وعلى هذا المراد بالوبال والكل في الخبر الثقل فيؤتى بمثل هذا الكلام لكراهة الفعل ولهذا لم يأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بهدم تلك القبة ولا طلب صاحبها فأمره بذلك وهذا واضح وعلى هذا قول ابن الأثير أن المراد العذاب في الآخرة غير واضح ولا متجه مع أن ظاهر كلام الشيخ تقي الدين إن لم يكن صريحه بأنه يحجر على من بذله في مباح زائدا على المصلحة والمسألة سبقت في آداب الأكل ومذكورة في الفقه في باب الحجر . وحيث حرم أو كره فأجرة فاعله تابعة لذلك كما يأتي في خياطة الملبوس إذا حرم حرمت الأجرة وسبق الكلام في الإسراف في مأكول ومشروب وملبوس في آداب الأكل . وقد قال ابن حزم في كتاب الإجماع قبل السبق والرمي : اتفقوا على أن بناء ما يستر به المرء حاله وعياله وماله من العيون والبرد والحر أو المطر فرض واكتساب منزل أو مسكن يستر ما ذكرنا ، واتفقوا أن الاتساع في المكاسب والمباني من حل إذا أدى جميع حقوق اللّه قبله مباح ثم اختلفوا فمن كاره ومن غير كاره وسبق كلام ابن حزم في هذا في فصول الكسب والتجارة .
--> - ( 20 / 187 ) من طريق زبان بن فائد عن سهل بن معاذ الجهني عن أبيه مرفوعا قلت : علة في زبان هذا فهو ضعيف الحديث مع صلاحه وعبادته كما قال الحافظ في التقريب . ( 1 ) رواه البخاري ( 1296 ) ومسلم ( الوصية / 1628 ) .